نُدركُ اننا فقدنا
الكثير، عندما يقول لنا صديق لم يمضِ سوى بضع ساعاتٍ على لقائنا به، انه يحن
الينا-لا يشتاق.. بل يحن- و كأنه رأى منا الهالة الكاذبة و شبح الطَيْف لا أكثر ..
لا بل انه التقى صدفةً بجسدٍ لا ينفك يذوب لكثرة سعيه وراء إخفاء التعب .و ندرك
اننا ما نزال نفقد الكثير الكثير عندما نشعر اننا نحن ايضاً ينتابنا الحنين الينا
.. كنا نلعن غربتنا عن أنفسنا فبتنا نتمناها، فمنفى الذات أصعب، و اللجوء الى
الحزن هرباً من التعاسة أمرْ، و الحياة لمجرد الحياة ألعَنْ و ألعَنْ و ألعَنْ.
ندركُ اننا فقدنا صوابنا عندما نستسخِفُ الحب و
الكتابة و موسيقى الأطفال، و نرتضي المزج بين عبثية تشايكوفسكي و صخب موزارت ضمن
خانةٍ واحدة..و عندما نستعيض عن شغف القراءة بمسلسلٍ محليْ تافه كأوطاننا. أو
نستغني عن الكتابة و نستبدلها بألعاب الفيديو التي تُحصي لنا انتصاراتنا الوهمية
بدل فشلنا المُتجلّي على الورق.
نُدركُ ان التعب أصاب منا مقتلاً عندما
نُبهِرُـ"هُم" بصمودنا بينما لا أحد يُدرك انه لم يكن أمامنا خيار آخر
سوى الاستمرار، و لو أُتيحت الفرصة لانتحر الاصرارُ فينا قبل نهاية الشوط الأول من
مباراة النجاة.نُدرك ان الوهن يشُدُ وثاقه على أعناقنا عندما نُدرك أننا نحن الجزء
الأكبر من الـ"هُمْ".
"ان ضحكتم بعد الانهيار فهذا انهيارٌ
آخر"، هكذا علّمني الحزن في الصف الابتدائي، و ان تأملتم لساعاتٍ صامتة في أسباب
الانهيار فأنتم تحاولون بئس المحاولة إحصاء أضرار العاصفة. كم من المرات علينا
الطلب من أوجاعنا ان تخجل ممن ينجو من الموت مراراً، و ان تكتم صراخها أمام من
حُرم الأنين لبقية الحياة؟
نُدركُ اننا أصبحنا وجعاً له قدمين عندما
نتداول حلمنا باستهزاءٍ باردٍ اثناء ارتشافنا قهوة الصباح، و كل مخططات حياتنا
الطفولية تصبح عاتقاً على كاهل مسؤولياتٍ لم نٌردها لأنفسنا و لم نكن لنحلم أنها
ستُصبحُ رداءً يليق بنا رُغماً عنا في جميع الفصول. نُدركُ اننا هُزمنا عندما نفكُ
قيود قيثارتنا القديمة و نغمرها لأننا نفتقدُ لحضنٍ يُبعد عنا الخوف المتجذّر فينا
و ليس لأننا نقوى العزف على أوتارها من جديد.
نُدركُ اننا تعِبنا عندما نُقفلُ
الباب الأخير أمام بقايا الحُب، فلا كاهلنا يتحمّل مستحيلاتٍ فوق مستحيلات واجباته
و لا القلب يرتضي هماً بمعدّلٍ أقل من معدلات الهموم الأخرى المُسجّلة في مباراة
الدخول.
أريد أن ألعب كرة القدم في الشارع كالأطفال
الهاربين من مدارسهم و أن أركب الخيل كالعرب لا كاللندنيين المتزمتين في
عاداتهم،أريد الصراخ في معابد قديمة توصِل صدى صراخي الى هذا الجدار المتكوّن داخل
ثنايا اسمي..أريد أن أتذوق الطعام لا أن أشبع، أن ينمو بداخلي من جديد اهتمامٌ
حشريٌّ للحياة، و ألّا أُضحِكُ من حولي بل أن أضحك معهم لمرّة واحدة بصدق. أريدُ
الا أبرد في الصيف و أن أُشفى من آلام المعدة المصاحبة للتوتر،
أريدُ ان استعيد شغفي ..لا أريد الكثير..
فأنا بعد التعب لا أريدُ سوى أن أريدْ.

