Sunday, March 25, 2012

بعضُ الخسارات لا تُحصى.


نُدركُ اننا فقدنا الكثير، عندما يقول لنا صديق لم يمضِ سوى بضع ساعاتٍ على لقائنا به، انه يحن الينا-لا يشتاق.. بل يحن- و كأنه رأى منا الهالة الكاذبة و شبح الطَيْف لا أكثر .. لا بل انه التقى صدفةً بجسدٍ لا ينفك يذوب لكثرة سعيه وراء إخفاء التعب .و ندرك اننا ما نزال نفقد الكثير الكثير عندما نشعر اننا نحن ايضاً ينتابنا الحنين الينا .. كنا نلعن غربتنا عن أنفسنا فبتنا نتمناها، فمنفى الذات أصعب، و اللجوء الى الحزن هرباً من التعاسة أمرْ، و الحياة لمجرد الحياة ألعَنْ و ألعَنْ و ألعَنْ.

 ندركُ اننا فقدنا صوابنا عندما نستسخِفُ الحب و الكتابة و موسيقى الأطفال، و نرتضي المزج بين عبثية تشايكوفسكي و صخب موزارت ضمن خانةٍ واحدة..و عندما نستعيض عن شغف القراءة بمسلسلٍ محليْ تافه كأوطاننا. أو نستغني عن الكتابة و نستبدلها بألعاب الفيديو التي تُحصي لنا انتصاراتنا الوهمية بدل فشلنا المُتجلّي على الورق.

نُدركُ ان التعب أصاب منا مقتلاً عندما نُبهِرُـ"هُم" بصمودنا بينما لا أحد يُدرك انه لم يكن أمامنا خيار آخر سوى الاستمرار، و لو أُتيحت الفرصة لانتحر الاصرارُ فينا قبل نهاية الشوط الأول من مباراة النجاة.نُدرك ان الوهن يشُدُ وثاقه على أعناقنا عندما نُدرك أننا نحن الجزء الأكبر من الـ"هُمْ".
"ان ضحكتم بعد الانهيار فهذا انهيارٌ آخر"، هكذا علّمني الحزن في الصف الابتدائي، و ان تأملتم لساعاتٍ صامتة في أسباب الانهيار فأنتم تحاولون بئس المحاولة إحصاء أضرار العاصفة. كم من المرات علينا الطلب من أوجاعنا ان تخجل ممن ينجو من الموت مراراً، و ان تكتم صراخها أمام من حُرم الأنين لبقية الحياة؟

نُدركُ اننا أصبحنا وجعاً له قدمين عندما نتداول حلمنا باستهزاءٍ باردٍ اثناء ارتشافنا قهوة الصباح، و كل مخططات حياتنا الطفولية تصبح عاتقاً على كاهل مسؤولياتٍ لم نٌردها لأنفسنا و لم نكن لنحلم أنها ستُصبحُ رداءً يليق بنا رُغماً عنا في جميع الفصول. نُدركُ اننا هُزمنا عندما نفكُ قيود قيثارتنا القديمة و نغمرها لأننا نفتقدُ لحضنٍ يُبعد عنا الخوف المتجذّر فينا و ليس لأننا نقوى العزف على أوتارها من جديد.
نُدركُ اننا تعِبنا عندما نُقفلُ الباب الأخير أمام بقايا الحُب، فلا كاهلنا يتحمّل مستحيلاتٍ فوق مستحيلات واجباته و لا القلب يرتضي هماً بمعدّلٍ أقل من معدلات الهموم الأخرى المُسجّلة في مباراة الدخول.

أريد أن ألعب كرة القدم في الشارع كالأطفال الهاربين من مدارسهم و أن أركب الخيل كالعرب لا كاللندنيين المتزمتين في عاداتهم،أريد الصراخ في معابد قديمة توصِل صدى صراخي الى هذا الجدار المتكوّن داخل ثنايا اسمي..أريد أن أتذوق الطعام لا أن أشبع، أن ينمو بداخلي من جديد اهتمامٌ حشريٌّ للحياة، و ألّا أُضحِكُ من حولي بل أن أضحك معهم لمرّة واحدة بصدق. أريدُ الا أبرد في الصيف و أن أُشفى من آلام المعدة المصاحبة للتوتر،
أريدُ ان استعيد شغفي ..لا أريد الكثير.. فأنا بعد التعب لا أريدُ سوى أن أريدْ.



Friday, January 27, 2012

الشويفات نار تلتهب تحت رماد التسويات

هي المدينة التي تُقلق وليد بيك. الشويفات، المدينة المتاخمة لضاحية بيروت الجنوبية، النار الدائمة تحت رماد الجبل الدرزي. هنا، ما زال أيار 2008 يتفاعل خفية كورم سرطاني لم تنفع مواقف جنبلاط في منع تفشّيه. في العلن، يلتفّ أهالي الجبل حول الزعامة السياسية، فمصلحة الطائفة هي الأولوية الكبرى، لكن في الزواريب الشوفيّة امتعاض كبير من التمدد السكاني الشيعي في المناطق الدرزية، وتخوّف أكبر من التموضعات المستجدة الكثيرة للبيك. لم يستسيغوا المصالحات التي تجبرهم على العفو عما مضى.هيدي المنطقة كانت كلها إلنا، بعشر سنين تغيّرت كل معالم الشويفات"، يقول الشيخ هـ.ع غامزًا من قناة التغيير الديموغرافي الذي فرض نفسه بثقل على الشارع الدرزي. "لا عداء بيننا و بين الشيعة، لكن لن نرضى أن يُهان الجبل وسندافع عن أرضنا حتى وإن استدعت التسوية السياسية عكس ذلك".

إنّ حادثة مقتل إبن كفركلا علي شيت على يد أحد عناصر شرطة بلدية الشويفات لم تكن الأولى من نوعها، بل هي واحدة من سلسلة تعيد فصولها بين الحين والآخر و ُذكّر الزعامات السياسية بالـ"ترقيعة" التي حاكوها من خلال مصالحات "السلم الأهلي". فسياسة "لفلفة الحوادث الأمنية" هي خير دليل على النوايا المبطنة وهي السبب التي يُرجّح أن يشعل فتيل الغضب الدرزي المتشدد، فلولا وجود ما بات يوصف ﺒ "الأصولية الدرزية"، لما كان وصل مستوى الحذر الرسمي إلى حد التداعي لعقد اجتماع على أعلى المستويات لتدارك الحادثة ووضعها في خانة الفرديات وصولاً إلى حد تغيير إفادة أهل القتيل.

على مفرق التيرو في الشويفات، عاد حاجز الجيش الذي أزيل في تشرين الأول الماضي، لكن بتعزيزات أكبر. ومن جهتها، لم تُوفّر القيادات المعنية أي جهدٍ في الإجتماعات التشاورية على كل المستويات، ومنها اجتماعات لجنة التنسيق المركزية بين الديمقراطي والإشتراكي وحزب الله التي أكدت على أهمية الحفاظ على الإستقرار الأمني في الجبل. والحقيقة أنّ هناك واقع آخر بعيدٌ عن اللقاءات والبيانات السياسية الشاجبة، يتمثل بتيّار لا يرضى بالتهدئة ويعتبر نفسه مشاركًا في قرار السلم والحرب في الجبل من باب "صون الكرامة والعرض" ويرفض تمرير مسألة التعدي على الجبل بصمت ومصالحة". هي جماعة "الداعي عمار"، مجموعة تنال احترامًا كبيرًا في أوساط المجتمع الدرزي بسبب التضحيات التي قدمتها في حوادث الـ2008 والتي ساهمت في تزايد أعداد مناصريها، المنتشرين خصوصًا في دير قوبل والشويفات وخلدة والعمروسية. وهي مستقلة وسرّية، تأبى الرضوخ لقرارات الزعامات السياسية لأنها ترى في التسوية تنازلًا ستدفع ثمنه الطائفة الدرزية، حتى أنها رفضت عرض وليد جنبلاط  بالإنضمام إلى ألويته مقابل الحصول على مبالغ مالية. ورغم ذلك، أكد أحد أتباع هذه الجماعة أنّ التواصل مع وليد بيك لم ينقطع منذ الـ2008. 

ولا يتمايز أعضاء الجماعة فقط بموقفهم من الأحداث، بل أيضًا بطرق الصلاة والسلام والدفن، فهم موحدون ملتزمون بتعاليم التوحيد كما أنزلت عليهم منذ ألف سنة، يؤمنون بالداعي عمار، المرسل إلى لبنان بالتقمّص، حاملاً التحذير والتنبيه إلى أهل التوحيد في لبنان وسوريا لبعدهم عن التعاليم التوحيدية. أما مؤسس هذه الجماعة فهو الشيخ ناصر الدين؛ تلاه في رئاستها نجله علام الذي قتل في الشويفات عام 2008، ليتولّى بعد ذلك مهام الرئاسة أخوه وجيه.
والمفارقة أنّ الأصولية التي تتبعها جماعة "الداعي عمار" ليست تلك المتعارف عليها سياسيًا اليوم، بل هي التشدد في حماية الطائفة الدرزية التي يشعر أبناؤها اليوم بالخطر، إن في الجبل أو في الشويفات (خصوصًا)، بسبب الإمتداد الشيعي وما بات يسببه من صدامات. وفي هذا الصدد، يعبر الشاب ي م. عن دعمه للجماعة، في معركتها للدفاع عن الكرامة والشرف. 
 
وفي حوادث أخرى، اعترف الأهالي أنهم طلبوا من جماعة "الداعي عمار" الأخذ بالثأر، لكن سرعان ما سلكت مساعي التهدئة طريقها إلى حل الخلافات. لكن السؤال هو إلى متى ستنجح مساعي اللجان ولقاءات الزعامات في تجنّب الإنفجار؟ ومتى سيقتنع قادة الجبل بأن سياسية اللفلفة والإختباء وراء إصبع الحوادث الفردية لا يمكن أن تمحو التاريخ عندما يصبح داميًا؟ وما سبل الحوار والتفاهم المباشر مع الجماعات التي أفرزتها حروب أيارالصغيرة؟

TG